«الصورة» ميتافوريا للذات المعذبة: هكذا رأيت- غزة للفنان الفلسطيني عيسى ديبي.

IMG_2839-1

بقلم: د. بهاء ابو دية-غزة

الحرب الحرب الحرب ……..
هي سيدة الموقف ومحيطنا اللامنتهي بمشاهدها التي تقتحمنا على مدار الساعة من كل زاوية وعبر كل نافذة إعلامية.

منذ الأزل سيطر تمثيل الحرب على الإنتاج الإبداعي البشري، فالإنسان الأول وجد في توثيقه لاسالبيه ولإنتصارته في الصيد فعل مجيد يتوجب توثيقه وتحريره بصريا. وما فتئت الحرب وأهوالها منذ ذلك الزمن أن تحدد مسارات التعبير البصري لدى شعوب الارض كافه.

إتسم تمثيل الحروب في الفعل الفني في البدايات بالتمجيد المرتبط بالإنتصارات والتنظير للحضارات وقوتها ومكانتها، وغلبا من كان يتماثل الجمال بالعنف في هذا التمثيل التمجيدي، فالفنانون رأوا في الحروب رغم أهوالها منحى جمالي سردي يستطيع أن يخلد عبر التاريخ جبروت وعظمة الأمم وكانت صورة صانعوا الحروب ومنتصريها وسياسييها هي المستحوذة وتم أزاحة الضحية وعذاباتها من المشهد بكل وقاحة.

ولكن في مرحلة لاحقة حدث تحول جذري في تعامل الفن ببعدة البصري والفكري مع الحرب وتم إحلال الحقيقة الصريحة بكل تفاصيلها ومعانيها، بل بكل رمزيتها وتخيلاتها مكان التمجيد والتنظير الذي طغى على أعمال الفنانين في البدايات، وفتح الباب للضحية لتقدم ذاتها وتُسمع صوتها لتهيمن سوداوية الفعل اللإنساني لتضرب في عمق الذات والإحساس لدى المشاهد العام فكانت غرنيكا بيكاسو وأعمال فرانسيسكو غويا وغيرهم من الفنانين الذين رأوا في لغتهم البصرية معبرا عنيفا نقديا ثائراً ضد الحرب وويلاتها ومخلصة للضحية. وإستطاعوا عبر إبداعاتهم الإستثنائية أن يحرضوا مزاجية المشاهد ويقلبوا إعتيادية النظرة المنبهرة لديه لتكون نظرة نقدية دافعة للتحرك والفعل.

تأتي اعمال عيسى الديبي في هذا المشروع الفني من مدخل الحرب وتمثيلاتها كمنحى بصري والمنفى والوطن كمنحى حسي هاجسي.

ففكرة ( المنفي و المنفى) في أشكلها العامة تتمحور حول ترك المنفي لمكان قائم و لجوئه الى مكان جديد هو المنفى، لأسباب شبه إختيارية أو إجبارية، بحيث أن تغيير المكان عنصر رئيس في هذا الجانب. وتفرض تلك الفكرة معادلة تتكون من: مكان قائم متروك و مكان جديد مُعاش من قِبل المنفي، حيث أن عملية الرحيل عن المكان وعدم العوده له أو العيش فيه هي عنصر مهم في هذة الحالة.في مسألة المنفى لدى الفلسطينيين الذين بقوا في الأراضي المحتلة تختل معادلة المنفى  المكان، فهم لم يتركوا المكان بل أن المكان و هو الوطن قد تحول إلى منفى إجباري وأصبحوا فية قِلة غريبة. من هذا المنطلق فإن عيسى ديبي يخوض غمار تجربة مرهقة مُعذِبة مرتبطة بحالة المنفى اللامنتهي والتي أضحت نابعة من اللاوعي وأضحت جزا من تعبيره الإبداعي بل هوية ذلك الإبداع.  فهو رغم انه كان مقيم في الأراضي المحتلة (المنفى الأول، الوطن) لم تطأ قدماه أرض قطاع غزة أبدا بل لامست أطراف أصابعه حافة أرض القطاع واقفا هناك ينظر لغزة من بعيد وذلك عنما منع من دخوله من طرف سلطات الإحتلال الإسرائيلي.

وبقيت غزة عالقة فيه أينما ذهب ورحل حتى أطلت عليه مرة أخرى في منفاه الجديد الأوربي ولكن هذة المرة بتفاصيل مغايرة وسياق مختلف. في هذا المنفى لامست غزة عمق كيانه وإحساسه من خلال المستطيل الزجاجي الأنيق الناقل لمجريات العالم وأحداثه (التلفاز). إقتحمت غزة المشهد مضجرة بالدخان (دون الرائحة) واللهب (دون الحرارة) هي الحرب إقتحمت كل ذرة فيه، هي الحرب إستنهضت كل فكرة بصرية لديه.

فإنطلق ينهش من ذالك المستطيل اللامع الصور اليومية لتلك الحرب، بلا شبع لا يعرف ماذا يفعل عزائه الخبر والبث المباشر وسرعة وصول الحدث المصور. خالقا تقابلية ندية عنيدة بين المشهد بتفاصيله الدموية وبينه، فإنحسر العالم بعنفه ولا إنسانيته لديه في تلك الشاشة الساطعة ببريق النار واللهب كما إختُزلت غزة بالدماء والقتل والصراخ لم يكن لديه مفر من سطوة وعنف المشهد الا المحترف ومساحة اللوحة. أوقف الوقت وحصره في لحظة لاتتجاوز الجزء من الثانية، عازلاً هذة اللحظة المتناهية في القصر عن ذلك اللامنتهي المتسارع (الزمن المجرد) وتركها تعبث به ويطوع فيها، موحداً لونها تارة وملونها تارة أخرى بالزيت، بالحبر، باللون المائي… ناقلا الصورة مخلوطة بعذابه النفسي وعنف المنفى وبالجهد البدني الذي يبذله في إعادة موضعة الفكرة البصرية على سطح اللوحة. ليخرج مجموعة من الأعمال لها ضجيج يُسمع بعنف ضجيجا أت من قصف الطائرات لتلك البقعة الأكثر إزدحاما على وجه الكوكب اللامبالي، أعمال تحاول تحقيق معادلة بين مبدعها ووطنه المفقود.

ما يمتاز به هذا المشروع أيضا هو عدم التقديم الصريح والمباشر للضحية (المدنيين العزل) والذي يأخذ المشاهد لمساحة التخيل والتسائل عما ألم بهولاء العزل فغيابهم عن المشهد العنيف لا ينفي وجودهم بل يؤكده، فإختيار ديبي للمشاهد الخاصة بوقع القنابل والطائرات الحربية بعيدا عن التخصيص المتعلق بالتفاصيل على الأرض قد صبغ الفكرة بمفهوم الشمولية المحالة لفكرة شمولية الحرب كفعل تمديري بغض النظر عن مكانها وعن هويتها السياسية.

وهنا أيضا يجب عدم إهمال بشكل ما الإختلاط النفسي الذي تولده مشاهدة الحرب عبر (التلفاز الجهاز المرتبط بالإبهار) من جراء جانب جمالي يدوم للحظة قصيرة جدا عند مشاهدة تلك الإنفجارات القصفية اللامعة ولكن ما تلبث النفس أن تدرك أن ما تراه جميلا للحظة هو جحيم مستعر يتساقط من السماء.

لقد كانت تلك اللحظات القصيرة أثناء حرب الإحتلال الإسرائيلي الأخيرة على غزة التي لمعت فيها قنابل الألف كيلو غرام التي القت بها الطائرات الحربية وكذلك  قنابل الفسفور المشع في سماء غزة المنكوبة والتي خيلت لمشاهدها أنها أشكال من العاب نارية على شكل حيوان (قنديل البحر) محفزا للكثير من الفنانين وعلى رأسهم ديبي للإنقضاض على تلك الجمالية اللحظية وتطويعها وتحويلها لجمالية ناقضة وصارخة ومستهزئة بآلة المحتل العسكرية المخيفة.
لقد أتعب المشروع عيسى ديبي وأتعب المنفى المنفي كما عذبه الإنحصار والإنحسار في ذلك المستطيل اللامع المُنفذ له  لعالم وطنه المفقود (غزة) التي لم تطاء قدماه أرضه.

ومازال المنفى معقوداً بوثاق الحروب ومازالت الصورة العنيفة تتحول لميتافوريا للنفس المعذبة.

د.بهاء ابو دية- باحث وامين معارض، من غزة يعمل كبروفيسور زائر في جامعه السوربون في ابو دبي وهو المدير الفني السابق لمعهد العالم العربي في باريس.